الأربعاء، 4 يوليو 2012

شعلة الثورة في عصر الظلام

استيقظت صباح هذا اليوم .. كان يوماً روتينياً يصحبه التوتر الطفيف، قمت متكاسلاً مرتدياً ثيابي حاملاً حقيبتي المدرسية وخرجت اقف على الرصيف امام منزلنا في انتظار الحافلة، كنت انظر تارة الى آخر الشارع مترقباً الحافلة وتارة آخرى الى الكتاب الذي احمله في يدي، وصلت الحافلة واقلتني الى المدرسة .. كنت طوال الطريق اراجع اهم المعلومات التنبيهات الاعرابية استعداداً لإمتحان اللغة العربية


دخلت الصف متجاهلاً زملائي محاولاً استجماع تركيزي قبل الإمتحان، مرر الوقت ودخل استاذ اللغة العربية ( استاذ خالد) فإنتشر جميع الطلبة في انحاء الفصل كلٌ في انتظار ورقته .. استلمت ورقتي وبدأت في مقارعة الأسئلة سؤالاً تلو الآخر وكان الإمتحان سهلاً على ما اذكر 


وصلت لآخر سؤال وكان سؤال سهل نسبياً وقد اعتدنا عليه في المراحل السابقة، كان السؤال :


ـ هل تحب وطنك ؟؟


كان السؤال من درجتان وكانتا مضمونتان، وبما ان عقلية طالب في صف الخامس ابتدائي لا تهتم الا بالدرجات فاصبح هذا السؤال المكرر يُحفظ لا يفهم !!


الإجابة النموذجية لهذا السؤال كان :
ـ نعم لأنني ولدت فيه وعشت فيه واكلت من خيراته !!


وما ان قد بدأت في كتابة هذه الإجابة المحفوظة لا مفهومة صرخ ضميري سائلاً ما هو وطنك ؟!
لم استطع الرد عليه، نعم لم استطع فأنا لا اعرف وطني .. كنت مشتتاً بين الإمارات البلد التي ولدت فيها واكلت من خيرتها وتربيت فيها وبين مصر التي احمل جوازها واذهب اليها في عطلة الصيف وفيها اقربائي .. اذاً من هو وطني ؟!


رفعت يدي وسألت الأستاذ " استاذ استاذ السؤال ده  بيقول وطني .. وطني مصر ولا الامارات ؟! " فاندهش استاذ خالد وهرول الي مسرعاً قائلاً " وطنك مصر يا عبدالرحمن وبعدين هيا هتفرق في ايه يعني ما الاجابة واحدة وانتا عارفها !! "
هززت رأسي موافقاً مدعياً اني قد استوعبت الدرس .. ذهب الاستاذ منشغلاً عني فيما انا قد بدأ بداخلي صراع رهيب !!

هل اكتب الإجابة النموذجية ام اكتب ما يمليه له ضميري ؟!!! بعد صراع داخلي دام حوالي دقيقة استقريت اني اكتب ما يمليه ضميري، امسكت بقلمي هممت بالكتابة فوجدت مكتوب " نعم لأنني " .. قمت بشطب هذه الكلمة و كتبت ما بداخلي وكانت إجابتي كالتآلي :

" لا لأن حسني مبارك خربها وخلاها زبالة وسرق الفلوس الي فيها هوا والحرمية الي معاه والمفروض حسني مبارك يمشي عشان مصر تبقى جميلة وحلوة "

وانهيت امتحاني فخوراً مستمتع بإحساس الحرية وسلمت ورقة الإمتحان وانتهى الموضوع بالنسبة لي .. مررت الآيام برتابة الى ان حان وقت تسليم الدرجات فاتسمرت في مكاني منتظراً اعلان نتيجتي، وبدأ الاستاذ في ذكر اسماء الفصل وانا انتظر وانتظر الى ان انتهت الوراق واسمي لم يذكر !!!

فقمت ونبهت استاذ خالد فقال لي " اه تعالى يا عبدالرحمن وهات رقم ابوك " .. اعتقدت اني قد رسبت ولكني متأكداً من ادائي الجيد جداً، اعطيته رقم الوالد ورجعت الى البيت مهموماً افكرر ببراءة طفل في الصف الخامس اني قد رسبت .. انتظرت في المنزل عودة ابي من العمل، عاد ابي متعجباً جداً وقال لي " انتا عملت ايه في امتحان العربي يا عوبد ؟؟ "
فأجبته بأني اديت جيداً فقال لي بأن استاذ خالد اتصل به وطلبه ان يأتي الى منزله في الليل ومعه عبدالرحمن ..

ذهبنا الى بيت الأستاذ ورحب بنا وجلسنا فأحضر استاذ خالد ورقة امتحاني واعطاها الى ابي واشار الى اجابتي وترك ابي في ذهول !!!!!!!!!

قرأ ابي الإجابة ثم نظر الي نظرة الدهشة وقال لي : " جبت الملام ده منين يابني ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ "
قولتولو : عادي يا بابا دي الحقيقة .. فتجاهلني ابي وصب كامل اهتمامه الى الأستاذ محولاً تفسير الموقف وتقديم الاعذار والاسف الى الاستاذ مدركاً ان هذا الكلام لو نشر لقضى على مستقبله المهني وانتهت الازمة بسلام ..

عدنا الى البيت وحاول ابي استجوابي فقلت له ان هذا ما آراه وهذه وجهة نظري .. فقال لي " وجهة نظرك دي يا حبيب ماما تكون في البيت بسس انما برة لأ " ..

كانت ذلك اولى ذكرياتي في مسلسل اسقاط مبارك الذي استمر على مدار ١٢ سنة الى ان جائت الثورة المجيدة واطاحت به !!

:))

هناك 3 تعليقات:

  1. رائعة جداً ,
    وفقك الله ونفع بك :)
    استمر , أنتظرُ جديدك بفارغ الصبر :)

    ردحذف
  2. شكراً يا ندى ربنا يكرمك

    شكراً لذوقك العالي :))

    ردحذف
  3. شكرا يا عبدو على المقال الجميل ده
    انت اتكلمت عن نقطة فكرت فيها كتير الا شخصيا و انا لحد دلوقتي بقول " احنا غرب هنا و غرب هناك"
    ربنا يصلح حال بلدنا و يجعلنا نتولد في مصر جديدة جميلة.

    ردحذف